عند سفوح المكمل وتحت ظلال الأرز الخالد، كانت بشري على موعد مع لحظة استثنائية أُفرغت فيها الأحاسيس، واختلط فيها الفن بالهوية، والذاكرة بالمستقبل، ضمن انطلاقة مدوّية لـ مهرجانات الأرز الدولية، التي عادت هذا العام بحلة فنية ساحرة، توّجها عرض عالمي خاص لفرقة ميّاس اللبنانية التي غزت قلوب الملايين. توافد أكثر من 12 ألف شخص إلى
عند سفوح المكمل وتحت ظلال الأرز الخالد، كانت بشري على موعد مع لحظة استثنائية أُفرغت فيها
الأحاسيس، واختلط فيها الفن بالهوية، والذاكرة بالمستقبل، ضمن انطلاقة مدوّية لـ مهرجانات الأرز الدولية،
التي عادت هذا العام بحلة فنية ساحرة، توّجها عرض عالمي خاص لفرقة ميّاس اللبنانية التي غزت قلوب
الملايين.
توافد أكثر من 12 ألف شخص إلى حضن الطبيعة الجبلية الخلابة، ليشهدوا عرضًا يجمع بين الجمال الحركي
والدقة المسرحية، وينقل رسالة لبنان الذي لا ينهزم. هذا العرض لم يكن مجرد استعراض راقص، بل كان
إعلانًا صارخًا عن عودة لبنان إلى الحياة، عن انتصار الفكرة على الأزمة، والإبداع على التحدي، والهوية
على التلاشي.
ورغم الأزمات التي أثقلت كاهل الوطن في السنوات الأخيرة، أثبتت بشري أن لبنان لا يُهزم، بل ينهض دائمًا
من تحت الرماد، كطائر الفينيق الذي لا يعرف الانطفاء. فالرسالة كانت واضحة: هذه الأرض التي تعانق
السماء بأرزها لن تنحني، وثقافتها لن تُطفأ، ومهرجاناتها ليست مجرد احتفالات بل فعل مقاومة ناعم
ومشرق.
الافتتاح كان بحضور وازن من شخصيات سياسية ودبلوماسية وثقافية، تقدّمتهم السيدة الأولى نعمت عون،
ممثلةً رئيس الجمهورية، إلى جانب البطريرك الراعي، ورئيس الحكومة نواف سلام وعقيلته، وعدد من
الوزراء والسفراء والنواب ورجال الدين والفكر والفن والإعلام. مشهدٌ أكد أن مهرجانات الأرز ليست فعالية
محلية فحسب، بل منصّة تضع لبنان في قلب المشهد الثقافي الدولي.
هذا وأطلّت النائب ستريدا جعجع على المسرح بثقة وأناقة، مرحبةً بالحضور، معلنة عودة الحياة إلى بشري
من بوابة الفن، مؤكدة أن لبنان لن يتخلى عن حلمه، وأن هذه المهرجانات هي تجسيد حي للتمسك بثقافة
الحياة، ومقاومة ثقافة الانهيار. رجعنا يا لبنان، قالتها بعينين تلمعان فخرًا، موجهة رسائل ترحيب ومحبة
للحاضرين، بدءًا من السيدة الأولى، مرورًا بالبطريرك، وانتهاءً بالسفراء الذين وقفوا تقديرًا لمشهد لا يتكرر
كثيرًا.
وتوالت كلمات جعجع التي حملت روحًا شاعرية وطنيّة، رسّخت فكرة أن لبنان، رغم الجراح، لا يزال وطنًا
ينتج الفن وينشره إلى العالم، وأن هذه الأرض قادرة أن تثمر دائمًا، طالما فيها من يؤمن بها.
أمّا عروض ميّاس فكانت نجم الأمسية بلا منازع. 70 راقصة وراقصًا جسّدوا قصصًا لبنانية خالدة، من روح
جبران خليل جبران، إلى وجع المرأة، إلى انتفاضات الصمود، بأداء بصري مبهر، جمع بين الموسيقى
الشرقية واللمسات الغربية الحديثة، وسط تأثيرات ضوئية خيالية حولت المكان إلى مسرح من الحلم.
اللوحات الفنية كانت تتوالى وكأنها قصائد جسدية، تجسّد لبنان بكل ما فيه من وجع وجمال، من مقاومة
ورجاء. شارك في العرض فنانون كبار مثل عمار شلق وبديع أبو شقرا، فيما أضفى صوتا ملحم زين وجاهدة
وهبة بعدًا وجدانيًا حادًا.
المفاجآت لم تتوقف عند الرقص والموسيقى؛ عرض ليزري مدهش رسم خارطة لبنان، علمه، شعاراته
ورموزه، على جبل المكمل، أعاد تأكيد وحدة الأرض والرمز، فيما وزعت في نهاية الحفل 200 شجيرة أرز
على كبار الحضور، في رسالة رمزية عن الزرع في أرض الأمل.
وهكذا، لم يكن مهرجان الأرز مجرد ليلة فنية، بل حدثًا وطنيًا كبيرًا، صاغ فيه اللبنانيون صورة جديدة
لوطنهم: لا وطن منكسر، بل وطن ينهض، يرقص، يحتفل، ويؤمن بأن الغد أجمل.
مهرجانات الأرز عادت، ولبنان أيضًا. وكل ما على العالم أن يفعله هو أن ينظر نحو بشري، حيث أرز الرب
لا يزال شامخًا، وحيث الجمال لا يموت بل يُعاد خلقه من رحم التحدي.











